بقلم الشاعر...وليد.ع.العايش
اعترافات رجل شرقي
_ الضباب والمرسيدس
كانون الثاني من عقود خلت ؛ المطر لا يود أن يتوقف على حاجز الصمت ؛ الرياح هي أيضا تأتي لتعلن انكسار أغصان الشجر وربما تهشم خواطر أمهاتها .
أظن بأني كنت حينها على وشك الخامسة عشر من عمري الذي لم يبدأ بعد ؛ منذ فترة قصيرة اشترى لي والدي دراجة هوائية ؛ آنذاك كانت كنزا بل كانت ك المرسيدس في هذا الزمان .
فتاة بيضاء قصيرة القامة جميلة الوجه ؛ هي أصغر مني بعام أو أكثر بقليل فقط ؛ دخلت إلى قلب هذا الطفل اليافع من خلال رسائل تتنقل عبر دفاتر الدارسة لتصب في نهر القلب ؛ هكذا بدأت القصة ومن هنا سار كل شيء كما أشتهي وكما تشتهي هي أيضا .
في ليلة من ليالي كانون الثاني كنت أسهر مع أسرتها في القرية ؛ طبعا ذهبت إليهم على المرسيدس التي اشتراها والدي ؛ لم يكن للوقت حسابات سوى أن يتطاول الليل كي نبقى نناظر بعضنا البعض ؛ حضر الطعام حينا ؛ والشاي حينا آخر ؛ نسيت أن أخبركم بأنه في ذلك الوقت لم يكن أهل قريتنا يكترثون للقهوة أو المتة كما هي حالهم اليوم ؛ بينما مدفأة المازوت تنشر الحنان في أرجاء الغرفة وكم كانت ممتعة تلك المدفأة .
المهم بأن الساعة لا تتوقف مهما طال ليلنا ؛ فها هي تغادر منتصف الليل ولا بد من الرحيل رغم الرعب الرهيب في الخارج ؛ المطر ؛ الظلام ؛ الرياح ؛ السكون ؛ نباح الكلاب في كل مكان .
الطريق يمتد لأكثر من ثلاثة كيلومترات بين بيتها وبيتنا ؛ لكن هل تظنون بأن الخوف تسربل إلى جوفي !!! أبدا ؛ أبدا ؛ فقد ركبت دراجتي المرسيدس وانطلقت إلى بيتنا بانتظار صبح جديد ألتقيها فيه على طريق المدرسة .
بعد حوالي منتصف المسافة أو أكثر تبدل الحال ؛ فقد اختفى المطر لتوه ؛ سكنت الرياح ؛ ازداد الصمت ؛ فاجئني الضباب دون أن يستئذن ؛ هكذا أصبح المشهد أكثر رعبا ؛ فحتى الطريق لم يعد واضحا ؛ الرؤيا تنعدم لحظة وراء لحظة حتى تلاشت بشكل كامل ؛ يا إلهي كيف أصل إلى بيتنا ؛ أين المنعطف المؤدي إليه ؛ أين أصبحت الآن !!! ... لست أدري ماهي المشاعر التي ساورتني في تلك الأثناء ؛ كل ماكنت أريده أن أجد منعطف بيتنا في ظل غياب أنوار البيوت جميعا ؛ للتو حضرت لذاكرتي قصص ضباع ليالي الشتاء ؛ فدار الهلع في جوفي رغما عن أنفي ؛ نزلت عن المرسيدس ؛ عذرا أقصد الدراجة ومشيت بجوارها ؛ كنت أتلمس علامة أو إشارة ما كي انعطف صوب البيت ؛ لكن هيهات هيهات ؛ فالمناظر متشابهة لدرجة أنها أصبحت ك التوائم ؛ وحده نباح الكلاب لم ينقطع ؛ لعله كان يبث بعض الجرأة في جسدي النحيل آنذاك .
فجأة رأيت أعمدة طويلة أمامي برأسها أنوار ملونة ؛ كانت أعمدة إذاعة وتلفزيون دمشق ؛ يا رباه كيف وصلت إلى هنا !!! ... المسافة بين هذا المكان وبيتنا طويلة طويلة ؛ لابد من العودة إلى الوراء ؛ وهكذا كان ...
لست أدري كم مر من الوقت ؛ لكني مازلت أجر دراجتي المرسيدس في طريق العودة ؛ تسللت الحرارة إلى أطرافي ؛ من الخوف حينا ومن التعب حينا آخر ؛ آه ها هو بيت جيراننا ؛ منعطف بيتنا أصبح قريبا جدا ؛ وجدته ؛ وجدته ... صرخت بأعلى صوتي ...
على أول المفرق وصل كلبي الأشقر ليستقبلني ؛ كان العرق يتصبب على كل أنحاء جسدي ؛ الخوف هو الآخر بدأ يتلاشى رويدا رويدا ؛ على طرف البيت كانت هناك ؛ إنها أمي ( رحمها الله الآن ) ...
تركتني أدخل إلى غرفتنا المشتركة مع إخوتي ؛ لابد أن أغسل الطين ؛ حين ذهبت إلى برميل الماء وصل صوت المؤذن وهو يرفع آذان الفجر .
في اليوم التالي كان الحساب عسيراً جدا ؛ ولكم أن تتخيلوه كما تشاؤون ...
وليد.ع.العايش
١٧ / ١٠ / ٢٠٢٢ م

تعليقات
إرسال تعليق